محمد جعفر شمس الدين

25

دراسات في العقيدة الإسلامية

ولماذا يتعب نفسه في صناعة الحرير - مثلا - ما دام باستطاعته الحصول على أجود أنواعه وأرقاها حتى من الصين ؟ ولماذا يتعب نفسه في اصطياد حيوان المسك ، للحصول على عطره ، ما دام قادرا على جلب أرقى عطور الهند ؟ . بل لماذا يتعب نفسه في تعديل الأوتار وضربها ، أو دراسة الأصوات ومعرفة أصولها ، وهز الأرداف وتعلم فنون الرقص ، أو النحت أو الرسم ؟ ما دام بإمكانه الحصول بما أوتي من ثروة - على استقدام أشهر مغني فارس ومغنياتها وراقصاتها ونحاتيها ورساميها . يتضح من كل ذلك ، أن حياة الترف والنعيم ، التي كان يعيشها المسلمون في بغداد - عاصمة الخلافة - آنذاك ، قد أعمتهم عن التطلعات نحو الابتكار وشلتهم عن الخلق ، فآل أمرهم إلى اضطراب في شتى مناحي حياتهم المختلفة اجتماعيا واقتصاديا وفنيا وصناعيا وفكريا . . . علم الكلام ودعوى سببيته لسد باب الاجتهاد : وأما ما ادعاه هؤلاء المنتقدون من أن علم الكلام ، قد أدى إلى سد باب الاجتهاد ، فيتضح عدم دقته بمجرد أن نطلع على الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذه المحنة التي أصابت الأمة في الصميم ، في أواخر القرن الرابع الهجري . وتلك الأسباب - كما يذكرها الأستاذ عبد الوهاب خلاف ( 1 ) - على نحو الإجمال هي :

--> ( 1 ) مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه 341 وما بعدها .